مال و أعمال

الأسهم والأصول الأمريكية ثقب أسود يبتلع السيولة العالمية بسبب حروب الشرق الأوسط

دبي 6مارس 2026

بقلم دانييلا هاثورن، كبيرة محللي الأسواق في Capital.com

في وقت لا تزال فيه الآفاق العسكرية والسياسية المحيطة بالتطورات في منطقة الشرق الأوسط تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، تبدو الأسواق المالية وكأنها تصدر حكمًا أوضح، على الأقل في المرحلة الحالية. فعلى مستوى أداء الأوراق المالية، تبرز الولايات المتحدة بوصفها المستفيد القريب الأجل من هذه الأزمة، في حين تتعرض الأسواق المالية في مناطق واسعة من العالم لضغوط متزايدة.

وقبيل اندلاع المواجهات، كانت توجهات المستثمرين العالمية تميل بقوة إلى تفضيل الأداء المتفوق للأصول غير الأميركية. فقد كانت الأسواق الناشئة، وأوروبا، وأجزاء من آسيا، تسجل واحدة من أقوى فترات أدائها النسبي مقارنة بالأصول الأميركية منذ سنوات. هذا التمركز خلق بيئة مثالية لانعكاس الاتجاه فور تصاعد المخاطر الجيوسياسية. ومع اندلاع الصراع، شهدت الأسواق بالفعل تفكيكًا سريعًا لمراكز المخاطرة العالمية، وتحولًا حاسمًا في التدفقات نحو الأصول الأميركية.

الدولار يستعيد مكانته كملاذ آمن

في صلب هذه التحركات يبرز الدولار الأميركي. فقد سجل مؤشر الدولار (DXY) ارتدادًا قويًا من أدنى مستوياته في فبراير قرب مستوى 95، ليخترق مجددًا منطقة المقاومة عند 98.60، ويختبر لفترة وجيزة مستوى 99.20، وهو المستوى الذي كان قد حدّ من محاولات الصعود السابقة. ومن الناحية الفنية، يعكس هذا التحرك تحولًا مهمًا في الزخم قصير الأجل، حيث ارتفع مؤشر القوة النسبية (RSI) إلى منطقة الستينيات، في دلالة على تعزز الزخم الصعودي من دون الدخول بعد في مناطق التشبع الشرائي. كما يبدو أن الانخفاض الذي شهده المؤشر في ديسمبر ويناير قد شكّل قاعدة قصيرة الأجل، في حين يشير الاختراق الأخير إلى انتقال الدولار من مرحلة تصحيحية إلى موجة صعود جديدة مدفوعة بالمخاطر.

ولا يقتصر هذا الارتداد على العوامل الفنية فحسب. فالدولار لا يزال يؤدي دور الملاذ الآمن الرئيسي عالميًا، ومع تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي، تتجه التدفقات الرأسمالية بطبيعتها نحو الأصول الأميركية، لا سيما عندما تكون المراكز الاستثمارية السابقة قد راهنت بشكل مفرط على تراجع العملة الأميركية.

كما أن للجغرافيا دورًا لا يقل أهمية. فالولايات المتحدة معزولة جغرافيًا عن اضطرابات الشرق الأوسط، ومحاطة بالمحيطات، وأقل عرضة للتداعيات الإقليمية مقارنة بأوروبا أو آسيا. إلى جانب ذلك، نجحت الولايات المتحدة إلى حد كبير في تقليص اعتمادها الهيكلي على نفط الشرق الأوسط، ما يخفف من الأثر الاقتصادي المباشر لأي اضطرابات محتملة في الإمدادات، مقارنة بالاقتصادات المستوردة للطاقة.

مخاطر التضخم وإعادة تسعير أسعار الفائدة

غير أن قوة الدولار لا تأتي من دون تكلفة. فارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية يعزز المخاوف التضخمية. وقد شهدت توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة الأميركية تحولات ملموسة منذ اندلاع الصراع، إذ ارتفعت تسعيرات أسعار الفائدة المتوقعة بنهاية العام، مع تراجع رهانات المستثمرين على خفض حاد وسريع للفائدة. كما انعكست اتجاهات عوائد سندات الخزانة الأميركية، التي كانت قد سجلت تراجعًا حادًا قبل التصعيد، لتعاود الارتفاع من جديد.

ويؤدي ذلك إلى حلقة تغذية متبادلة؛ فالعوائد المرتفعة تدعم الدولار، لكنها في المقابل تشدد الأوضاع المالية، وهو ما قد يشكل ضغطًا على أسواق الأسهم إذا استمر لفترة طويلة. ونتيجة لذلك، تصبح آفاق السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي أكثر تعقيدًا. فاستمرار صدمة الطاقة لفترة مطولة قد يقلص هامش المناورة أمام خفض أسعار الفائدة، لا سيما إذا عاود التضخم الرئيسي الارتفاع. وهذه المخاطر بدأت الأسواق بالفعل في تسعيرها بشكل فوري.

الأسواق الناشئة تتحمل العبء الأكبر

إذا كانت الولايات المتحدة هي الرابح المؤقت في الأسواق، فإن الأسواق الناشئة تُعد الخاسر الأبرز. فقد كانت أسهم وعملات هذه الأسواق تحقق أداءً قويًا قبل اندلاع الصراع، إلا أن الانعكاس جاء سريعًا وحادًا. تاريخيًا، يشكل الدولار القوي ضغطًا على الاقتصادات الناشئة من خلال تشديد السيولة العالمية ورفع كلفة خدمة الديون المقومة بالدولار. ويعكس تسارع وتيرة التراجع في هذه الأسواق مدى هشاشة تلك المراكز الاستثمارية أمام ارتداد الدولار.

ويجسد هذا المشهد ديناميكية أوسع للمخاطر، إذ غالبًا ما يرتبط صعود الدولار بعلاقة عكسية مع أداء الأسواق الناشئة. وطالما استمرت حالة عدم اليقين الجيوسياسي، فمن المرجح أن تبقى هذه الرياح المعاكسة قائمة.

ومع ذلك، يظل هذا التفوق الأميركي مشروطًا. ففي حال طال أمد الصراع وتحول إلى حالة من عدم الاستقرار الإقليمي الممتد، قد تصبح التداعيات التضخمية أكثر حدة، ما قد ينعكس في نهاية المطاف سلبًا على النمو الأميركي وشهية المخاطرة. وفي هذا السيناريو، قد تتآكل الميزة الحالية تدريجيًا.

في المقابل، قد يؤدي احتواء الصراع والتوصل إلى حل سريع إلى موجة ارتداد قوية في الأسواق الناشئة والأسهم غير الأميركية، بما يعكس جزءًا من التدفقات الأخيرة. لكن في الوقت الراهن، تبدو الأسواق حاسمة في موقفها: رأس المال يتجه نحو الأمان في الدولار والأصول الأميركية. ويعزز الاختراق الفني في مؤشر الدولار هذا التحول. وإلى أن تتضح مسارات الصراع بشكل أكبر، من المرجح أن تستمر قوة الدولار مدعومة بتدفقات الملاذ الآمن، وارتفاع العوائد، وانعكاس التمركزات الاستثمارية، مع بقاء الضغوط قائمة على بقية الأسواق العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى