مال و أعمال

الوعي الرقمي خط الدفاع الأول في المعركة ضد الإعلام المضلل

سوسن غانم، الشريكة المؤسِّسة والمديرة الإدارية لشركة «أكتيف» للاتصال الاستراتيجي والتسويق الرقمي

لم تعد الشاشة مجرد نافذة نطل منها على العالم كما كانت في بدايات الإنترنت. اليوم أصبحت مساحة تتقاطع فيها الروايات والمصالح والأجندات، حيث تختلط الحقيقة بالتحليل، والخبر بالشائعة، والمعلومة بالتضليل. كل تمرير بإصبعك على شاشة الهاتف هو، في جوهره، دخول إلى فضاء معلوماتي شديد التعقيد. بعض ما يظهر أمامك صحيح، لكن جزءاً كبيراً منه قد يكون ناقصاً أو مجتزأً أو حتى مصنوعاً بالكامل.

المفارقة أن المشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في فائضها. نحن نعيش عصر التخمة المعلوماتية، حيث يتعرض الإنسان يومياً لفيض هائل من الأخبار والآراء والمحتويات. وفي مثل هذه البيئة، يصبح التمييز بين الموثوق والمضلل مهمة أكثر صعوبة من أي وقت مضى. الخوارزميات التي تدير منصات التواصل الاجتماعي لا تعطي الأولوية للحقيقة بقدر ما تعطيها للتفاعل. فالمحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف أو الدهشة ينتشر أسرع بكثير من المحتوى الهادئ والدقيق، وتتحول العاطفة إلى وقود أساسي في انتشار المعلومات، سواء كانت صحيحة أم لا.

وقد وثّقت دراسة معهد MIT أن الأخبار الكاذبة تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي أسرع بست مرات من الأخبار الصحيحة. الكذبة لا تحتاج إلى الكثير من الوقت لتنتشر، بينما يحتاج تصحيحها إلى جهد مضاعف.

التضليل في الإمارات: ليس مجرد ظاهرة رقمية

في دولة الإمارات، لم يعد التضليل الرقمي مجرد تحدٍ إعلامي أو تقني. أصبح قضية ترتبط بشكل مباشر بالأمن المجتمعي والاستقرار الوطني. والأمر مفهوم حين تدرك أن الإمارات تقود واحدًا من أضخم مشاريع التحول الرقمي في العالم، وأن اقتصادها يعتمد على ثقة المستثمر قبل أي شيء آخر. في هذا السياق، أي موجة تضليل غير محسوبة لا تبقى في حدود الفضاء الرقمي، بل تمتد لتمس السمعة والاستقرار معًا.

التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي زاد المشهد تعقيدًا. الأدوات التي صُممت في الأصل لتطوير التكنولوجيا باتت تُستخدم أيضًا في إنتاج محتوى مزيف يصعب اكتشافه. أبرز هذه الأدوات تقنيات التزييف العميق التي تتيح إنشاء فيديوهات وتسجيلات صوتية تبدو واقعية تمامًا رغم أنها مصطنعة بالكامل. تخيّل مقطعًا مزيفًا لمسؤول يُطلق تصريحًا اقتصاديًا لم يقله، أو لشخصية عامة تنتشر باسمها رسالة لم تصدر عنها. الضرر لا ينتهي حين يصدر التصحيح، لأن الشك يبقى. وقد حذّر مجلس الأمن السيبراني في دولة الإمارات من تزايد استخدام هذه التقنيات في عمليات الاحتيال الرقمي وحملات التضليل، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الهجمات السيبرانية الحديثة يعتمد على أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في التكنولوجيا نفسها، بل في تأثيرها على الثقة العامة. حين يصبح من الصعب التمييز بين الفيديو الحقيقي والمصطنع، تتآكل مصداقية المعلومات وتتسع البيئة الخصبة للشائعات والتلاعب بالرأي العام. وهذا التآكل هو الهدف الحقيقي لكثير من حملات التضليل، ليس إقناعك بكذبة بعينها، بل جعلك تشك في كل شيء.

الاستجابة الإماراتية: منظومة لا إجراء واحد

لم تتعامل الإمارات مع هذه القضية باعتبارها مسألة تقنية فحسب، بل كجزء من منظومة الأمن الوطني. القانون الاتحادي لمكافحة جرائم تقنية المعلومات يضع إطارًا قانونيًا واضحًا للتعامل مع نشر الأخبار الكاذبة والمضللة، خصوصًا حين تهدف إلى الإضرار بالأمن العام أو زعزعة الاستقرار المجتمعي. وتشمل العقوبات الحبس والغرامات الكبيرة على من يستخدم الفضاء الرقمي لنشر محتوى مضلل.

لكن التشريع يرسم الحدود ولا يبني الوعي. لذا أطلقت الجهات المختصة مبادرات متعددة لتعزيز الثقافة الرقمية، من بينها منصة “آمن” التي تمكّن المجتمع من الإبلاغ عن المحتوى المشبوه وتعزز دور الجمهور في حماية الفضاء المعلوماتي. ويعكس شعار يوم الطفل الإماراتي لعام 2026 “الحق في المعرفة الرقمية” إدراكًا متزايدًا بأن بناء الوعي يجب أن يبدأ من المراحل المبكرة، لأن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة رقمية يحتاجون إلى مهارات تمكنهم من التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل قبل أن تتشكل عاداتهم الرقمية.

الجانب الذي لا نحب الاعتراف به

لا تنجح أي حملة تضليل دون مشاركة بشرية، وغالبًا تلك المشاركة نابعة من حسن نية تام. المعادلة بسيطة ومزعجة في آنٍ واحد: حساب مجهول يُطلق خبرًا، ينتقل إلى مجموعات واتساب، يُعيد نشره أناس لا يشكّون في صحته، ويصل إلى آلاف خلال ساعة، حتى يصبح حقيقة في الوعي الجمعي، بينما التصحيح، إن صدر، يصل إلى جزء ضئيل ممن رأوا الأصل. نحن لسنا فقط ضحايا هذا المحتوى. أحيانًا، دون أن نقصد، نكون من يُضخّمه.

وأخطر أشكال التضليل اليوم ليس الكذب الصريح، بل نصف الحقيقة. صور حقيقية تُعرض في سياق مختلف كليًا، وتصريحات صحيحة تُبتر لتحمل معنى لم يُقصد، وفيديوهات قديمة تُقدَّم كأنها لحظية. هذا النوع من التضليل لا يصطدم بعقل المتلقي، بل يتسلل عبر ثقته. وهو لهذا السبب الأصعب كشفًا والأسرع انتشارًا.

من المتلقي إلى المواطن الرقمي

المؤسسات والاتصال الاستراتيجي: شريك لا يُستغنى عنه

المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم. في عصر الاتصال الرقمي، تلعب المؤسسات والشركات دورًا محوريًا في الحفاظ على بيئة معلوماتية أكثر موثوقية. الاتصال المؤسسي اليوم لم يعد يقتصر على نقل الرسائل أو الترويج للمنتجات، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر ببناء الثقة وتعزيز الشفافية. المنظمات التي تتواصل بوضوح وسرعة مع جمهورها تكون أكثر قدرة على مواجهة الشائعات وسوء الفهم، بينما الغموض أو التأخر في تقديم المعلومات يفتح المجال أمام التكهنات للانتشار.

ويبرز هنا دور العلاقات العامة المسؤولة، خصوصًا في القطاعات التقنية التي تلعب دورًا محوريًا في تشكيل البيئة الرقمية. بناء الثقة الرقمية لم يعد مسؤولية الحكومات وحدها، بل هو جهد مشترك تشارك فيه المؤسسات الإعلامية والشركات التقنية وخبراء الاتصال على حد سواء.

الخلاصة: الوعي ليس خيارًا، هو واجب

لا يمكن القضاء على التضليل الرقمي بشكل كامل. التكنولوجيا ستستمر في التطور، وكذلك الأساليب المستخدمة لنشر المعلومات المضللة. لكن الإمارات، بما بنته من منظومة تشريعية وتقنية ومجتمعية، تملك من المقومات ما يجعلها قادرة على أن تكون نموذجًا في المناعة المعلوماتية كما كانت نموذجًا في التحول الرقمي.

الذكاء الاصطناعي نفسه يُستخدم اليوم كدرع في مواجهة التضليل الذي أسهم في إنتاجه، إذ تعمل مؤسسات تقنية وأكاديمية على تطوير أنظمة كشف متقدمة. لكن التقنية وحدها لن تكون الحل الكافي. الخط الدفاعي الأول لا يبدأ من الخوارزميات أو القوانين، بل من وعي الإنسان نفسه. وفي عالم يتسارع رقميًا، قد تتحول قاعدة بسيطة مثل “تحقق قبل أن تنشر” إلى واحدة من أهم قواعد الأمن المجتمعي في عصرنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى