مؤتمر سانت بطرسبورغ الدولي: العالم بين تعدد الأقطاب وتعدد الخيارات
حسن عبدالرحمن- سان بطرسبورغ
(SPIEF 2026)، أحد أكبر الفعاليات الاقتصادية العالمية، عقد في مركز إكسبوفوروم بمدينة سانت بطرسبورغ.
مع أن المنتدى متخصص بالاقتصاد العالمي وتشابك المصالح الاقتصادية العالمية. إلا أن الجمهور كان يتوقع أن تتضمن كلمة الرئيس فلاديمير بوتين إشارات وربما كلمة توجيهية عن تطور الحرب وتوقعاته حولها.
حضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دفع بالمحللين إلى أن الرئيس سوف يتحدث عن الحرب مع أوكرانيا ومآلاتها، وهل هناك اتجاه لوضع حلول قريبة تفضي إلى سلام على الجبهة الغربية لروسيا.
الجميع كان لديه الفضول حول ما الذي سيقوله الرئيس في مؤتمر عالمي كهذا، خاصة وأن مدينة سانت بطرسبورغ التي استضافت المؤتمر تعرضت لثلاث موجات من الهجوم عبر المسيرات بما فيها اليوم الذي القى الرئيس كلمته فيه.
إلأ أن الرئيس بوتين فاجأ الجميع وفضل تجاهل الحديث عن الحرب على الرغم من ثقل تأثيرها على الاقتصاد الروسي والأوروبي والعالمي.
ولكنه من جهة أخرى أجرى حواراً مع الحضور كان موجهاً للداخل الروسي،
حول نتائج الحرب الاجتماعية والانسانية، ما أعطى الأمر بعداً عاطفياً مميزاً جذب الجمهور الروسي وأحدث تفاعلاً كبيراً على امتداد روسيا.

أما المنتدى وزواره فقد ركز على الاقتصاد العالمي، الطاقة، التكنولوجيا، الاستثمار، وسلاسل الإمداد، وشهد مشاركة واسعة من أكثر من 130 دولة وحضور يزيد على 20 ألف مشارك.
عقدت روسيا مؤتمر سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 (SPIEF 2026) ضمن الفترة من 3 إلى 6 يونيو، وسط تحولات اقتصادية وجيوسياسية عميقة يشهدها العالم.
المنتدى، الذي يُعد أحد أهم المنصات الاقتصادية العالمية، حمل هذا العام دلالات خاصة مع مشاركة واسعة من أكثر من 130 دولة، وتوقيع اتفاقيات تجاوزت قيمتها 6.64 تريليون روبل.
لكن الحضور الأبرز كان من الشرق الأوسط، وتحديداً السعودية التي شاركت كـ”ضيف شرف”، في خطوة تعكس إعادة تشكيل موازين العلاقات الاقتصادية بين المنطقة وروسيا.
مؤتمر سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي لم يكن مجرد حدث اقتصادي روسي، بل منصة عكست بوضوح انتقال العالم من نظام أحادي القطبية تقوده القوى الغربية، إلى نظام أكثر تعقيداً وتعدداً في مراكز القوة.
الحضور الكثيف من دول آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مقابل غياب غربي رسمي واسع، أظهر أن جزءاً كبيراً من الاقتصادات الصاعدة بات يبحث عن مساحات جديدة للحوار والتعاون خارج الإطار الغربي التقليدي.
في هذا السياق، برز الشرق الأوسط وخاصة دول الخليج كأحد أهم المستفيدين المحتملين من هذا التحول، بشرط إدارة هذا الانفتاح ببراغماتية وحسابات دقيقة.
السعودية كضيف شرف… دلالة تتجاوز البروتوكولاختيار السعودية ضيف شرف في SPIEF 2026 يحمل أبعاداً متعددة:
اقتصادياً: السعودية تمثل أكبر اقتصاد عربي، وأحد أهم منتجي النفط في العالم، وتتبنى رؤية تحول اقتصادي طموحة (رؤية 2030). حضورها بهذا الثقل يرسل إشارة بأن التحول الاقتصادي السعودي لا يعتمد على محور واحد من الشركاء.
سياسياً: المشاركة الرفيعة المستوى تعكس رغبة في تثبيت صورة السعودية كدولة قادرة على التحرك بين العواصم الكبرى واشنطن، بكين، موسكو وفقاً لمصالحها الوطنية، لا وفقاً لاصطفافات جامدة.
إقليمياً: وجود السعودية في قلب منتدى تقوده روسيا يشجع دولاً عربية أخرى على إعادة تقييم علاقاتها الاقتصادية مع الشرق، وفتح قنوات جديدة بعيداً عن الحصرية الغربية.بهذا المعنى، لم تكن مشاركة الرياض مجرد حضور، بل إعلان عن مرحلة جديدة من التوازن في السياسة الاقتصادية الخارجية.
الطاقة… من تنسيق إنتاج إلى هندسة نفوذالتعاون السعودي الروسي في إطار “أوبك+” معروف منذ سنوات، لكن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد تنسيق مستويات الإنتاج:إعادة تعريف النفوذ في سوق الطاقة: كلما تعمق التنسيق بين منتجي الطاقة في الشرق الأوسط وروسيا، زادت قدرة هذه الدول على التأثير في الأسعار، وشروط التوريد، ومسارات الاستثمار.
الطاقة المتجددة والهيدروجين:
دخول ملفات مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة إلى طاولة التعاون يفتح الباب أمام تحالفات طويلة الأمد تتجاوز النفط الخام إلى بنية الطاقة المستقبلية.رسالة للغرب: هذا التقارب لا يعني قطيعة مع الغرب، لكنه يرسل إشارة واضحة بأن الشرق الأوسط لم يعد رهينة لمصدر واحد للتكنولوجيا أو الاستثمار أو الشراكة الاستراتيجية.بالنسبة للمنطقة، هذا التحول يمنحها أداة ضغط إضافية في أي تفاوض مع القوى الغربية حول ملفات الطاقة والاقتصاد.

الاستثمار واللوجستيات… الشرق الأوسط كعقدة في شبكة جديدةالمنتدى كشف عن توجه متزايد نحو بناء شبكات استثمار ولوجستيات تربط روسيا بالشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا:
ممرات تجارية بديلة: مع الحديث عن ممرات بحرية وبرية جديدة، تصبح دول مثل السعودية والإمارات ومصر مرشحة لتكون محاور لوجستية رئيسية في ربط روسيا بالأسواق الآسيوية والأفريقية.
تنويع مصادر التمويل والتقنية: التعاون مع روسيا لا يلغي الشراكات الغربية، لكنه يخلق منافسة صحية بين الشركاء الدوليين، ما قد ينعكس في شروط أفضل للتمويل، ونقل التكنولوجيا، والاستثمار.دور القطاع الخاص: المنتدى يوفر منصة لرجال الأعمال في الخليج ومصر والأردن وغيرها للدخول في مشاريع مشتركة في المعادن، البتروكيماويات، البنية التحتية، والتقنيات الصناعية.إذا أحسنت دول المنطقة استغلال هذه الفرص، يمكن أن تتحول من مجرد “أسواق مستقبِلة” إلى شركاء في صياغة سلاسل القيمة العالمية.
الأمن الغذائي… من نقطة ضعف إلى ورقة تفاوضالشرق الأوسط يعاني تاريخياً من هشاشة في ملف الأمن الغذائي بسبب اعتماده الكبير على استيراد الحبوب.
هنا يبرز دور روسيا كمورد رئيسي للقمح والأسمدة: تعزيز التعاون في هذا المجال يمكن أن يخفف من تقلبات الأسعار، ويؤمن إمدادات أكثر استقراراً لدول عربية عديدة.ممرات آمنة للحبوب، أي اتفاقات حول ممرات تجارية آمنة للمنتجات الزراعية عبر الموانئ العربية تعزز مكانة هذه الدول كمحطات استراتيجية في تجارة الغذاء العالمية.
البعد السياسي:
كلما زادت خيارات المنطقة في مصادر الغذاء، قلّت قابليتها للتأثر بالضغوط السياسية المرتبطة بسلاسل الإمداد.بهذا الشكل، يتحول ملف كان يمثل نقطة هشاشة إلى أداة لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية.
سادساً: براغماتية الشرق الأوسط في عالم متعدد الأقطاب أحد أهم مخرجات SPIEF 2026 هو تكريس صورة الشرق الأوسط كمنطقة تتبنى سياسة خارجية براغماتية:لا قطيعة ولا تبعية، دول مثل السعودية والإمارات تحاول صياغة نموذج يقوم على عدم قطع الجسور مع الغرب، وفي الوقت نفسه عدم الارتهان له، عبر بناء علاقات متوازية مع روسيا والصين والهند.تعزيز دور “الجنوب العالمي”: المشاركة النشطة في منتديات مثل SPIEF تضع دول الشرق الأوسط في قلب تكتل أوسع من الدول الصاعدة التي تطالب بدور أكبر في إدارة الاقتصاد العالمي.
إعادة تعريف الهوية الاقتصادية: المنطقة لم تعد فقط “خزان نفط”، بل لاعباً في الطاقة المتجددة، اللوجستيات، التمويل، والسياحة، وتستخدم هذه الأوراق في بناء شبكة علاقات أكثر تنوعاً.هذا المسار، إن استمر، قد يجعل الشرق الأوسط أحد مراكز الثقل في النظام الاقتصادي المتعدد الأقطاب.
الفرص والتحديات… ما الذي يمكن أن تربحه المنطقة وما الذي يجب أن تحذر منه؟
الفرص تعظيم هامش المناورة: تنويع الشركاء يمنح دول المنطقة قدرة أكبر على التفاوض مع جميع الأطراف.جذب استثمارات جديدة: خاصة في البنية التحتية، الطاقة المتجددة، والصناعة.
تعزيز المكانة الجيوسياسية: عبر لعب دور “الجسر” بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب.التحدياتإدارة التوازنات بعناية: الانفتاح على روسيا يجب ألا يتحول إلى سبب لتوتر غير محسوب مع شركاء غربيين ما زالوا مهمين اقتصادياً وأمنياً.تجنب الارتهان الجديد: الهدف هو تنويع الشركاء، لا استبدال تبعية بتبعية أخرى.التعامل مع المخاطر الجيوسياسية: أي تصعيد بين روسيا والغرب قد يضع دول المنطقة أمام ضغوط لاختيار طرف، ما يتطلب سياسة خارجية مرنة وواضحة.
مؤتمر سانت بطرسبرغ الاقتصادي 2026 لم يكن مجرد حدث عابر في روزنامة المؤتمرات الدولية، بل محطة تكشف عن إعادة توزيع هادئة ولكن عميقة لمراكز الثقل الاقتصادي والسياسي في العالم.
في قلب هذه التحولات يقف الشرق الأوسط وخاصة دول الخليج—ليس كمتلقٍ سلبي، بل كطرف يحاول أن يكتب قواعد لعبته الخاصة، مستفيداً من تنافس القوى الكبرى، وساعياً لتحويل ثرواته الجغرافية والطاقوية إلى نفوذ تفاوضي واستراتيجي طويل الأمد.
بعد استعراض مخرجات المنتدى وتحليل انعكاساته على الشرق الأوسط، يصبح من الضروري التوقف عند أبرز ما جاء في خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي شكّل الإطار الفكري والسياسي الذي تحركت ضمنه جلسات المؤتمر ونقاشاته.

أبرز ما قاله بوتين في SPIEF 2026… رؤية روسيا للعالم الجديد:
قدّم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال كلمته في مؤتمر سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 رؤية شاملة لطبيعة التحولات التي يشهدها العالم، واضعاً ملامح ما يعتبره «المرحلة الجديدة» في النظام الدولي. وقد استهل خطابه بتوصيف واضح لطبيعة اللحظة التاريخية، قائلاً:”العالم يتغير بسرعة، ومن لا يفهم هذه الحقيقة سيجد نفسه خارج مسار التاريخ.”
بهذه العبارة، أراد بوتين التأكيد على أن القوى الصاعدة ومنها دول الشرق الأوسط لم تعد مجرد أطراف هامشية، بل أصبحت جزءاً من مراكز التأثير في الاقتصاد العالمي.
وفي سياق حديثه عن العلاقات الدولية، شدد بوتين على أن روسيا تسعى إلى بناء شراكات قائمة على الندية، بعيداً عن الضغوط السياسية التي تميز العلاقات الغربية التقليدية، قائلاً:”نحن لا نفرض شروطاً سياسية على شركائنا، بل نبحث عن تعاون قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.”
هذه الرسالة كانت موجّهة بشكل واضح إلى دول الخليج والشرق الأوسط، التي تبحث عن مسارات تعاون أكثر استقلالية وتوازناً.
أما في ملف الطاقة، فقد ركّز بوتين على أهمية التنسيق بين كبار المنتجين لضمان استقرار السوق، مشيراً إلى أن:”أسواق الطاقة العالمية تحتاج إلى استقرار، ولن يتحقق ذلك إلا عبر تعاون المنتجين الكبار.”
وهو تصريح يعكس إدراك موسكو لأهمية الشراكة مع السعودية ودول الخليج في رسم مستقبل سوق الطاقة.
وفي الجانب الاقتصادي والتقني، أوضح بوتين أن بلاده تعمل على تعزيز استقلالها الصناعي، قائلاً:”نحن نعمل على بناء اقتصاد مستقل يعتمد على التكنولوجيا المحلية، وندعو شركاءنا للمشاركة في هذا المسار.”
وهي دعوة صريحة لدول الشرق الأوسط للدخول في مشاريع صناعية وتقنية مشتركة.
كما لم يغفل بوتين ملف الأمن الغذائي، مؤكداً استعداد بلاده لدعم الدول المستوردة للحبوب، بقوله:”روسيا مستعدة لضمان إمدادات مستقرة من الحبوب والأسمدة للدول التي تحتاجها، رغم كل الضغوط والعقوبات.”
بهذا الخطاب، رسم بوتين ملامح رؤية روسية لعالم متعدد الأقطاب، يكون للشرق الأوسط فيه دور محوري.

حجم المشاركة الدولية
- أكثر من 20 ألف مشارك من 130 دولة.
- حضور رؤساء دول ومسؤولين كبار من الصين، السعودية، أوزبكستان، تنزانيا، ودول الخليج.
- مشاركة وفد أمريكي رسمي لأول مرة منذ سنوات، ما يعكس أهمية المنتدى رغم التوترات الدولية.
السعودية ضيف شرف 2026
- المملكة العربية السعودية هي ضيف الشرف الرسمي للمنتدى.
- مشاركة وزير الصناعة السعودي بندر الخريف في جلسات حول:
- المعادن النادرة
- الأمن الغذائي
- سلاسل الإمداد
الدول المشاركة في SPIEF 2026
أبرز الدول المشاركة حسب التقارير الرسمية:
- السعودية — ضيف الشرف الرسمي، مشاركة وزارية رفيعة.
- الصين — وفد اقتصادي كبير وشركات تكنولوجية.
- الإمارات — حضور قوي في قطاعات الطاقة والاستثمار.
- قطر — تركيز على الغاز الطبيعي والاستثمارات.
- مصر — جلسات حول الأمن الغذائي والنقل.
- الهند — شركات تقنية وطاقة.
- دول إفريقية مثل: تنزانيا، جنوب إفريقيا، نيجيريا.
- دول آسيوية مثل: فيتنام، إندونيسيا، أوزبكستان، كازاخستان.
- وفد أمريكي رسمي لأول مرة منذ سنوات.
- دول أمريكا اللاتينية مثل: البرازيل، فنزويلا، كوبا.





