مال و أعمال

ماوراء كواليس تنفيذ المشاريع المعقدة في الشرق الأوسط

جيلبر بستاني، نائب رئيس تنفيذ المشاريع لدى 3D للاستشارات

تشهد دول مجلس التعاون الخليجي باستمرار تطورات عمرانية ديناميكية في قطاعات الضيافة والتجزئة والبنية التحتية والمشاريع متعددة الاستخدامات حيث تتسم بضخامة وسرعة وطموح غير مسبوقة. و الفارق بين مشروع ناجح وآخر فاشل في الغالب ليس مرتبطًا بالميزانية أو التصميم، بل بكفاءة إدارة العمل.

لنأخذ على سبيل المثال افتتاح متجر فاخر، ظاهريًا، يبدو الأمر بسيطًا، لكن في الواقع يتطلب تنسيقًا دقيقًا بين الملاك والمصممين والمقاولين والموردين المتخصصين، والطاقم التقني، والخدمات اللوجستية، وممثلي العلامات التجارية، والجهات الحكومية. يتواجد العديد منهم في بلدان مختلفة، ويعمل كل منهم وفق جداول زمنية متباينة، ولذلك فإن أي تقصير في التنسيق بين هذه الجهات يُعرّض المشروع للخطر.

لا يقتصر الدور الحقيقي لإدارة المشاريع على إعداد تقارير حالة المشروع أو تتبع الجداول الزمنية، بل يتعلق بضمان حصول الأشخاص المناسبين على المعلومات المناسبة في الوقت المناسب، وتحديد المخاطر لتفادي تأثيرها على المسار الحرج، وعدم وقوع المسؤوليات في فجوة بين طواقم العمل.

إن الرؤية والاستثمار والابتكار هما عناصر أساسية لإطلاق البرامج الكبرى وتطويرها. ومع ذلك، هذه العناصر وحدها لا تكفي لضمان النجاح. ففي نهاية المطاف، التنفيذ يحدّد ما إذا كانت القيمة ستتحقق أم ستُفقد.

قوة التنسيق

إذا كان هناك عامل واحد يُحدد باستمرار نجاح تنفيذ المشاريع، فهو التنسيق.

إن معظم تحديات المشاريع لا تنشأ بسبب نقص في قدرات فرق العمل أو خلل في الاستراتيجية نفسها، بل غالبًا ما تظهر المشكلات عند انقطاع التواصل بين أصحاب المصلحة، أو تأخر اتخاذ القرارات، أو وضع افتراضات في غياب الوضوح. وتتفاقم المشكلات الصغيرة التي كان من الممكن حلها مبكرًا لتتحول إلى مخاطر أكبر سواءًا تشغيلية أو تنفيذية. ولهذا السبب، تُعدّ إدارة المشاريع الفعّالة بالغة الأهمية في البيئات المعقدة. فهي تُحقق التوافق بين جميع الأطراف المعنية، وتُرسّخ قنوات اتصال واضحة، وتُوفّر البنية اللازمة للحوكمة الفعّالة، وإعداد التقارير، واتخاذ القرارات.

والأهم من ذلك، أنها تضمن عملية تحديد المشكلات مُبكراً، ومتابعة الإجراءات بدقة، وتركيز فرق العمل على أهداف شاملة بدلاً من التركيز على مهام أو أولويات مُنعزلة.

إدارة المخاطر لتفادي تأثيرها على عملية التنفيذ.

من أكثر المفاهيم الخاطئة حول إدارة المشاريع هو  التركيز على الإبلاغ عما حدث في السابق. الأمر الذي قد يكون بعيدًا كل البعد عن الحقيقة، لأن أفضل طواقم العمل بنظري هي التي تلك التي تقضي معظم وقتها في التخطيط للمستقبل. وبما أن  لكل مشروع مخاطر، لنأخذ على سبيل المثال قيود سلسلة التوريد، والتغييرات الطارئة على التصميم، والتأخر في الحصول على الموافقات، ونقص الموارد، والمتطلبات التشغيلية، والاعتماد على أصحاب المصلحة، جميعها عوامل تؤثر على عملية تنفيذ المشروع.

لطالما آمنتُ أن الفرق بين المشاريع الناجحة والمشاريع المتعثرة غالبًا ما يكمن في كيفية تحديد المخاطر ومعالجتها مُبكرًا.

وتُتيح إدارة المشاريع الفعّالة، الرؤية اللازمة لاكتشاف المشكلات المحتملة قبل أن تتفاقم وتُصبح حرجة. الرؤية الواضحة تساعد في من اتخاذ قرارات مدروسة، وتُخفف استباق المخاطر، وتساعد التخطيط بواقعية أكبر طوال دورة حياة البرنامج.

وفي الواقع، عندما يظهر خطر ما في تقرير تنفيذي، في كثير من الأحيان يكون بعد فوات الأوان. لذا الهدف الحقيقي هو تحديد المشكلات قبل أسابيع أو حتى أشهر، بينما لا يزال هناك متسع من الوقت لإدارتها قبل أن تؤثر على نتائج التنفيذ.

المساءلة تُحسّن الأداء

في بيئات المشاريع المعقدة، قد تتداخل المسؤوليات وخاصةً عندما يتعلق الأمر بأكثر من شركة أو أصحاب مصلحة أو فرق تنفيذ متعددة. وبدون تحديد واضح للمسؤولية، يسهل على الأفراد افتراض أن شخصًا آخر يدير تبعية أو خطر أو إجراء معين.

تساعد هياكل الحوكمة القوية على إزالة هذا الغموض من خلال ترسيخ المساءلة الواضحة في جميع جوانب التنفيذ. حيث يجب أن يكون لكل  مشروع على قيد التسليم مسؤولٌ عنه، ولكل خطر مسؤولية محددة للتخفيف من آثاره، ويجب أن يخضع كل قرار رئيسي لعملية موافقة تتمتع بالشفافية.

والأهم من ذلك، الإدراك التام بأن المساءلة لا تعني إلقاء اللوم عند ظهور المشكلات، بل تعني ضمان تحديد المسؤوليات بوضوح، ومتابعة الإجراءات، وإدارة المخاطر بفعالية وإيجاد الحلول. هذا المستوى من الوضوح يُعزز الثقة لدى جميع أصحاب المصلحة، ويُساعد على الحفاظ على وتيرة زخم التنفيذ.

عادةً ما تكون بيئات المشاريع الأكثر فعالية هي تلك التي تتسم بشفافية التوقعات، وتخضع لقياس الأداء باستمرار، وإدراك كل صاحب مصلحة أن مساهمته يدعم أهداف البرنامج على نطاق أوسع.

التميز في التنفيذ ميزة تنافسية

المشاريع الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تتمتع بميزانيات كبيرة أو أفكار طموحة، بل هي غالباً تلك التي تحافظ على توافق مصالح أصحاب المصلحة، وتُدار فيها المخاطر باستمرار، وتُتخذ فيها القرارات بكفاءة ودون تأخيرات غير ضرورية. وفي مثل هذه البيئات، يُحافظ على التنفيذ المنضبط طوال دورة حياة المشروع، الأمر الذي يضمن انعكاس الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة. وبمرور الوقت، تُصبح هذه القدرة المستمرة على التنفيذ الناجح ميزة تنافسية حقيقية وسمة مميزة للمؤسسات التي تتمتع بالأداء العالي.

وفي نهاية المطاف، لا يقتصر التنفيذ الناجح على إدارة المهام المعزول، بل يتعلق بالحفاظ على التوافق عبر منظومة مترابطة تشمل أصحاب المصلحة والقرارات والتبعيات والأولويات. وعندما نحافظ على هذا التوافق، يصبح التعقيد قابل للإدارة والطموح قابل للتحقيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى