الضيافة السعودية مشاريع عملاقة وخدمات سفر بمعايير عالمية
الرياض – خاص
تتحول المملكة العربية السعودية بسرعة لتكون مركز عالمياً للضيافة. والأنشطة التجارية المحلية والعالمية. وذلك من خلال مجموعة شاملة من الأجراءات الحكومية والمشاريع السياحية في مختلف أرجاء المملكة. بدءً بالمدن الرئيسية كالرياض وجدة والدمام مروراً بسواحل البحر الأحمر الجنوبية والشمالية. يترافق ذلك مع تطوير حركة السفر الجوي، خاصة بعد الانطلاقة القوية لطيران الرياض الذي ينافس بقوة لاحتلال مركز أول على خارطة النقل الجوي، وذلك من خلال الصفقات المليارية لشراء طائرات حديثة ومن خلال تنويع وتوسيع وجهاته العالمية.
المتابع لتطور المدن الكبرى كالرياض وجدة يلاحظ سيطرة نمط الحياة الفاخر وتوسيع قاعدة منشآت الضيافة في المملكة ، مما يعني القدرة على اجتذاب العلامات التجارية العالمية المتخصصة في قطاع الضيافة.
ولكن ما الذي يدفع هذا التحول، وكيف يمكن للعلامات التجارية أن تبرز في هذا المشهد التنافسي؟
يقول : ماسيمو اياني مؤسس ماسيمو بارترنز للضيافة إن بروز المملكة العربية السعودية كوجهة سياحية مزدهرة على خريطة السياحة العالمية يشكّل بلا شك أحد أهم العوامل الدافعة لهذا التطور السريع. فالمسافرون المعاصرون ينجذبون بشكل متزايد إلى الوجهات التي تقدّم تجارب أصيلة ترتكز على الطبيعة والتراث والثقافة. وتمتلك المملكة جميع المقومات التي تؤهلها لترسيخ مكانتها كوجهة سياحية عالمية، من خلال إبراز جوهرها الفريد ومواردها الطبيعية والثقافية، إلى جانب كرم شعبها وتجاربها الاستثنائية.
ويرى اياني، أن هناك تحولا واضحا من الضيافة التقليدية إلى الوجهات ذات الخبرة. كيف تعرف تجربة ناجحة حقا في سوق اليوم
أصبحت كلمة “التجربة” اليوم من المصطلحات الرائجة في قطاع الضيافة والسياحة، إلا أنها في كثير من الأحيان تُستخدم كأداة تسويقية أكثر من كونها جوهراً حقيقياً. فالتجربة الناجحة والراسخة في الذاكرة لا تُقاس فقط بما تقدمه للضيف، بل بقدرتها على إحداث أثر حقيقي ومتجدد، يشمل المسافر، ومقدّم التجربة، والمجتمع المحيط بها.
فالمسافرون المعاصرون باتوا قادرين على اكتشاف التجارب بأنفسهم، لكن ما يجعل التجربة فريدة حقاً هو أن تكون حصرية، منسّقة بعناية، صادقة في جوهرها، وذات أثر عميق. وأنا أحب أن أصفها بـ “الطقوس”؛ تلك اللحظات المدروسة التي لا تكتفي بإبهار الضيف، بل تترك أثراً قادراً على تغيير نظرته للحياة والتجربة من حوله.

ماذا عن المسافرون الدوليون اليوم الأكثر انتقائية من أي وقت مضى. ماذا يتوقعون من الوجهات في السعودية، وكيف يؤثر ذلك على طريقة تطوير المشاريع في جميع أنحاء المملكة؟
يتطلع المسافرون اليوم إلى تجارب أصيلة بمعناها الحقيقي، يشعرون من خلالها بأنهم لا يكتفون بزيارة الوجهة، بل يساهمون في فهمها والتواصل معها وترك أثر إيجابي فيها. وينبغي أن يشكّل هذا التوجه محوراً أساسياً في تطوير البنية التحتية والمرافق السياحية المستقبلية في المملكة العربية السعودية.
ويبقى الموقع عاملاً رئيسياً في نجاح أي تجربة ضيافة، إلا أن المفهوم الجديد للرفاهية لم يعد يرتبط بالفخامة التقليدية وحدها، بل بالقدرة على المزج بين التراث والهوية المحلية من جهة، والرؤية المعاصرة والمستقبلية في تقديم التجارب للزوار من جهة أخرى.
أصبح السرد القصصي ركيزة أساسية في الضيافة الحديثة. كيف يمكن للعلامات التجارية ترجمة الهوية الثقافية إلى مفاهيم جذابة وناجحة تجاريا؟
أصبحنا اليوم ننجذب إلى القصص أكثر من أي وقت مضى، لا سيما في قطاع السياحة والضيافة، حيث بات السرد جزءاً أساسياً من قيمة التجربة. وتمتلك المملكة العربية السعودية إرثاً غنياً من الحكايات والتقاليد الشفوية التي تناقلتها الأجيال، ما يمنحها قاعدة ثقافية قوية يمكن ترجمتها إلى تجارب ضيافة أصيلة ومؤثرة. ولكي يكون السرد جذاباً وناجحاً من الناحية التجارية، لا بد أن ينبع من الأشخاص الذين يشكّلون جوهر التجربة ويشاركون في تقديمها بشكل مباشر. فالقصص الأكثر تأثيراً هي تلك التي تكون صادقة، نابضة بالشغف والتفاني، وتحافظ في الوقت نفسه على قدر من الخصوصية والحصرية.
وفي نهاية التجربة، يجب أن يشعر المسافر أنه لم يزر وجهة جديدة فحسب، بل عاد منها حاملاً معرفة ثمينة، وارتباطاً أعمق بالمكان، وذكريات تشكّلت من خلال لقاءات حقيقية مع أشخاص محليين فتحوا له نافذة على جوهر الوجهة وثقافتها.
من خلال خبرتك في الأسواق العالمية، ما الذي يجعل قطاع الضيافة في مجلس التعاون الخليجي فريدا مقارنة بالمناطق الأخرى؟
يشكّل تنوّع العروض السياحية، وغنى التراث، والإحساس الأصيل بالضيافة الذي يميّز المجتمع السعودي، عناصر رئيسية تمنح المملكة فرادتها كوجهة سياحية واعدة. ويكمن التحدي في تنسيق هذه المقومات وتقديمها بأناقة وأصالة، مع الحفاظ على القيم الأساسية والهوية الثقافية التي تميّز البلاد.
كما تسهم رؤية السعودية 2030 بطموحها الكبير في تعزيز جاذبية المملكة أمام جيل جديد من المسافرين الراغبين في اكتشاف وجهة طالما بقيت كنزاً ثقافياً محفوظاً بعناية. وتمتلك السعودية جميع الإمكانات التي تؤهلها لاستقطاب شرائح متنوعة من الزوار، وخلق تجارب متعددة تشجعهم على تكرار الزيارة واكتشاف المزيد من أوجهها المختلفة.
بالنظر إلى المستقبل، ما هي أهم الاتجاهات التي ستحدد مستقبل الضيافة في المنطقة خلال السنوات الخمس القادمة؟
تتمحور أبرز اتجاهات الضيافة المستقبلية حول تجارب السفر ذات البعد الأعمق، مثل السفر الثقافي، والسفر الصحي، والسفر التجديدي الذي لا يكتفي بتقديم تجربة للزائر، بل يتيح له رد الجميل للمجتمعات المضيفة والمساهمة بشكل إيجابي في الوجهة. كما يبرز السفر الفردي كاتجاه متنامٍ، إلى جانب التجارب الغامرة والطقوس التفاعلية التي تمنح المسافر ارتباطاً أكثر صدقاً بالمكان.
ولم يعد السفر اليوم يقتصر على الاستجمام أو زيارة المعالم، بل أصبح بالنسبة للكثيرين رحلة لاكتشاف الذات وإعادة التواصل مع الطبيعة والثقافة والهوية. ومن هذا المنطلق، تمتلك المملكة العربية السعودية بيئة مثالية لازدهار هذه الاتجاهات، بفضل تنوعها الطبيعي والثقافي، وعمق تراثها، واتساع مشهدها الجغرافي من الصحارى والجبال إلى السواحل والمدن التاريخية. هذا التنوع يمنح المملكة قدرة فريدة على تقديم تجارب ضيافة تتجاوز المفهوم التقليدي للإقامة، لتصبح رحلات شخصية مؤثرة تجمع بين الرفاهية، والمعنى، والانغماس الثقافي، والشعور الحقيقي بالتحول بعد انتهاء الرحلة.





