الوهابية السعودية.. أيديولوجيا النشأة وتجليات الصراع مع الواقع الحديث
النشأة والمنظومة الفكرية
الوهابية، وفق توصيفها الدارج، ليست مجرد تيار ديني عابر، بل هي منظومة متكاملة من المفاهيم تتأسس على فكرة العودة إلى النقاء الأول للإسلام، كما تراه. تبدأ هذه النشأة مع الفرد وتشكل نظرته للحياة والمجتمع والدولة. إنها منظومة معيارية شاملة، لا تتوافق بالضرورة مع العلمانية أو حتى الدولة الحديثة، وقد عاش في ظلها المجتمع السعودي عقوداً طويلة قبل التحول إلى واقع جديد مختلف.
لكن الوهابية، باعتبارها منظومة معيارية، ليست ثابتة. بل تتغير مثل أي منظومة أخرى، ومن ذلك تحولها تجاه قيادة المرأة للسيارة. أمام هذا التحول، يظهر الوهابي الحقيقي الذي زرع في وجدانه مفهوم المسموح والممنوع، وسرعان ما يجد نفسه وقد تمسك بثوابته، لكنه يكون، في بعض الأحيان، صانعاً لسياسة الفكر على الذات عند من يخالفونه.
أزمة الوهابي الحقيقي أمام التحولات اليومية
سأحاول طرح أمثلة محتملة من الواقع لتقريب الفكرة: تخيل أنك شخص في فندق وآخر يلجأ عند استلام الغرفة إلى وجود لوحة فنية مؤطرة على الجدار تحمل صورة ذات أجنحة، ستجدها لا إرادية تضايق من الهواء في هذه الغرفة لصنع إشكال مع إدارة الفندق أو نقاش لتغيير الغرفة لألا تحوي صوراً ذات الروح نفسه.
إن لم تستوعب إدارة الفندق المنظومة المعيارية التي عاش فيها هذا الشخص، فإنها قد ترد عليه بما يظنه هو أنه يخرجه من المأزق ويجعله يتراجع عن طلبه الغريب. وهكذا تقول له مثلاً: «إنها مطبوعات والناس وأعمال عالمية»، فلا تظهر أزمة الوهابي الحقيقي مع الهواء بأنواعها، وأن أصلاً يستغفر من الموسيقى في بهو الفندق، ثم يتصالح مع نفسه بقوله: «الضرورات تبيح المحظورات»، وهو لا يقبل الصورة المعروفة في الجدار.
طبعاً يناقش نفسه بعد ذلك في الموقف الذي وقع له، ويعتاد في سورياته الأخرى أن يقوم بنزع اللوحة من الجدار ليضعها مقلوبة على وجهها في دولاب الفندق أو تحت السرير حتى خروجه منها دون ضجة وحرج.
تسرب الأزمة إلى المنهج العلمي والتراث
يظهر الوهابي والوهابية أيضاً في المنهج من أغاني أو نصوص عند كبار أزرر مصر أو في نصوص من بيئة أخرى، بل يتسع ما تتداوله المدارس الفقهية عن الإمام الشافعي وقبل مصر وبعدها، ومن هنا يمكن لأحد علماء المدرسة السلفية النجدية استخدام مصطلح قد تجنبه الأحفاد في المدرسة نفسها. ويقصد كلمة «الضر» ودلالاتها الحديثة مقارنة بعقود سابقة، تجعل السلفي التقليدي الحالي يتساءل: هل إذا لم يوجد المؤلف رحمه الله عنوان آخر غير «السحب القابلة على ضرائب الحنبلية» متوافقاً مع المنظومة المعيارية التي عاش في ظل المؤلف وتصل إلى القرن الثالث عشر الهجري بمكة المكرمة، ما أنتج وهابية لا تأخذ موردة «ضر» بالحساسية الموجودة لدى السلفية التقليدية الحالية.
الجيل الصعب: بين النشأة الأولى وتحديات العصر الرقمي
الفتنة الصعبة في الوهابية الحقيقية هي في الجيل الذي نشأ منذ نعومة أظفاره داخل أيدلوجيتها، ولا يدرك الفترة التاريخية التي قبلها. وجيل مثل (مولود 1973م) – في تجربته التي عشناها طويلاً – كان أصيلاً مع والده في مسجد حارته بإحدى مدن جنوب المملكة. وكان هناك من يقرأ في الميكروفون كثيرون آذان ويصلون معاً. كنت أراهم يصلون معاً متوزعين بتواتر بينهم في الصفوف وفي (مسيوفة الأودي)، وفي الصلاة دون تفكير من أحد. كما كان يوجد مسجد الحرم مثل الحرم المكي تقع طوائفي في ذاهب ويصلون الفروض وراء إمام واحد. حتى جاء الباراديغم الصحيح، واختلف التسامح المذهبي بين الناس وشربوا «سم الطائفية»، ولا يعلم هذا صم براءة جيله، فقد خرج من كان زملاء في كلية الشريعة ليصبح مقتلاً وداعشياً وليقتل في أحد معاركها. راجع محرك البحث تحت عنوان «مقتل من قتل داعش 2015».
وهناك جيل أصيب بأعراض الوهابية الحقيقية. وأعني الجيل الذي نشأ يتزعزع مع دخول الفضائيات والإنترنت وحدة من سابقيه. كما أعرضنا له في محاولة لتصنيف الفكرة بشكل بسيط وفاعل. أكثر من حرصه على الدولة المنهجية التي تقتضيها أبحاث علم الاجتماع. أما من يخلط: كيف يخلط الصحة بالإرهاب؟ وإني أتجاهل أن أحد أكبر زعماء الصحة المعروفين تحمس لصالح الإرهابيين في حلب مضت – لا أعدها الله – وطرح نفس السلطان للتناقض بين وزارة الداخلية والإرهابيين، مما ليس له محل توصيف في ما يستطيع النظر في حوكمة مشهد كامل يتداخله جناح صحي سياسي بالنار والنور عبر البينات وجناح عسكري بالعمليات الإرهابية. ونسلي نفسي من العتيق المبدئي في تسمية من قتل رجال الأمن بالإرهابي، حفاظاً منهم على مصطلحهم الأثير (المجاهدين، الاستشهاديين… الخ) ليحدث البنية.



