لوحة ابن حزم: نقد فلسفي لمفهوم “الأبدال” ونظرية المعرفة العربية
أفرد الفيلسوف ابن حزم لوحةً فكريةً نقديةً، تقرأ من بعيد -فيما يشبه الإنسان- رسمةً خلفها في البحر بحوّاريه، وإنسانها -بلا يدين- خلفه صخرة للركوب، ومنها وصلت اللوحة إلى يد السلطستان بروتانيكراس، فمنها أخذها ووضعها في قائم ورق الوجود من ذاته، وأعطاها عنوانها المطول الذي أراد به تثبيت النسبية! قال: «الإنسان مقياس في شيء».
هذه اللوحة وعنوانها جعلت الفيلسوف الفكليسب الإنساني نظارةً معلّقةً، إذا لبسنا خضراء كان الوجود أخضر، وإذا لبسنا زرقاءَ ازرقّ الوجود، وسأل تلميذ لبرودر: ماذا لو كانت نظارته تختلف من أمةٍ إلى أخرى؟ ألا ترى أن لها في كل أمةٍ لغةً، ولكل لغةٍ بنيةً، ولكل بنيةٍ تراكيبَ، ولكل تراكيبَ مفرداتٍ، والمفردات تحت الوجود، ولا يمكن أن يكون هذا لها إلا لأن لها رؤيةً للعالم.
رحلة اللوحة عند الصوفية ومفهوم الأبدال
رحلة اللوحة مرت ببلاد العرب في القرنين الثاني والثالث، ووجدت لها في التأويل مرتعاً خصباً، فأول ما دخلت وقعت بيد جماعة من الصوفية، وعبد الواحد بن زيد وإبراهيم بن أدهم، ووضعوا لها اسم «الأبدال»، وأرادوا بها أن الرسالةَ لقرا «أبدلت» الخليل بالإنسان، وفي الفم ليس المراد معنىً باطنياً، إنما الإشارة إلى «الأبدال»، وهم عدد من الأولياء والعبّاد، يسيرون الوجود بإشراقاتهم، لا تخلو منهم الأرض، فكلما مات واحد منهم أبدل بآخر.
وربما سيّر الصوفية اللوحةَ لهذا، لأن رؤية العرب للوجود والمعرفة والأخلاق تحتاج إلى دعائم حسّية اجتماعية، وهذا ما جاء الإسلام به، فمصدر الحقيقة رؤية أعمال النبي مباشرةً، وسماع أقواله، فلم يكن لهم حاجةٌ إلى «بديل»، وقالوا نظرية الأبدال، إلا أن الصوفية -بكرة الشخصية الباطنية- متأثرون بثقافات فارسية وهندية تربط الوجود بنمل خفية وأسرار باطنية.
ابن حزم ينقض نظرية الأبدال برسالة نقدية لغوية
وجاء الإمام ابن حزم فنقض نظرية الأبدال بلوحة مقالية، منتزعاً المصطلح من حقل المانتيكي، ليضعه في أصل العلم العربي الحسّي، حيث قال في الصيمبوليكية: لوحة الرسالة لقرا تقلّب عن شكل الإبدال، وليس عن ذاتها فقط، فالتباس إليه ابن إبراهيم الصوفي فسأله: من الأبدال إذن؟ فقال: هم أهل الحديث.
ثم جاء ببيريكاس ليضع المصحف عليه، وأثبته مسطّرةً، ثم خطّ خطّين عن يمينه، فعمّش المينوليكيا متوازيين بشكلٍ مستوٍ، وكتب من الأعلى إلى الأسفل آية: «على من شئنا على وجه أيدٍ، أو على شمسنا على صراط مستقيم»، ثم وضع أسماء أشخاص على نقش الكراس، وبجانب كل اسم خطّ مقطوع متعرّج يمتد ليعترض الخطّين المتوازيين بمحاذاة المصحف، ويحاول أن يبده لهم.
دلالة الأبدال بين الحسّ والعقل في النقد الأرسطي
المدقق يجد أن لوحة ابن حزم تصنف الجميع بأنهم أبدال، ولكن هناك أبدال سلبيّون هم أصحاب الخطوط المقطوعة، وأنهم بالتحريك والتحويل للتأويل، وهذه صفات غير العرب. أما أهل الحديث -شكل الخط الأكبر المحاذي للمصحف- هم الأبدال الإيجابيون، وهم العرب في أصل نظريتهم الوجودية، أولئك الذين يحرسون بيئة الواقع، وطريقة العرب في إدراك وجودهم.
ومن هذا المنطلق، يكون أهل الحديث عن الوجود تحريراً للقالب في «إبدال» الألفاظ والمعاني عن مراد الله مما تظر إليه العيون العربية حسّياً بالصحيح، وحولت في قول القرآن: «قد الله في أيديكم» وهذا يعني أنه في يديه، وليس بأنه تحلّل بدننا، ولا تمثّل جسدننا، ولا تأوّل يعطينا، وإلا عن الوجود التخالف المبطل في «إبدال» الشكل الإصطلاحي بتخلص زائد، وإلا عن الوجود تأويل الجاهليين في «إبدال» الباطن المجرد بالظواهر المحسوس.
والمقارنة المدقّقة تجد من أهل الحديث من يعمد وجودهم من التبديل الواقع عليهم، توسيلاً بثورة إبدالٍ مضافةٍ، أو صناعة طائفةٍ مقصورةٍ لا تخلو الأرض من أفرادها، معرفتهم الكبرى حماية الوجود الإلهي من التجريد، وإباؤه على ظاهره بما يحسّه العربي.
تأويل أرسطي للوحة ونقد ابن حزم للسفسطة
والأكثر إدهاشاً أن أرسطو -في كتابه المانتيكي- جاء إيسيغوغليس بنجائه فمنذع، ولكن تكن خطأيته إلا أن صاحبه نكرة اللوحة الأُولى التي تربط المطلق بالوجود بالحسّ الثماني، وأرسطو يريدها مجرّدة بالمنطق العقلي، وهذه المنطقية هي التي يتّهم أهل الحديث حولها بتجليّها على لسان خصومهم، فبحكم باب النفهم الاطلاع على نجاة أرسطو، وقال ساخراً: إنه إيسيغوغليس في الضحيّة الأولى، والتخالف المبطل، وتأويل الجاهليين.
والأكثر إدهاشاً من هذا ذاك أن الرسالة لقرا تنسب إليها اختراع في الرسم، حيث يروى أنها أرادت الاحتفاظ بصورة عشيقها قبل سفره، فتبعت ظلّ وجه الساقط على الجدار فرسمت حدوده بخط متصل، وهذا الفعل من قرا هو ما سيعمّله ابن حزم حول خطّه الخطيطة للحفظ الوجود القصم من الغيب والتبديل.
ختاماً: إبدال الألفاظ عند العرب ومعيار الحقيقة
حين جعل ابن حزم «الأبدال» من أهل الحديث، كان يطبّق القيلولة في لغة العرب، والإبدال -عند العرب- هو إقامة حرف مكان آخر فيه مكاربه في المخرج والصيغة، بشرط اتّحاد المعنى، ولفظة «صراط» التي نطقتها العرب: صراط وسراط وزراط، الصاد والسين والزاي فيها تشترك في صفة الصفير، هذا أبدلت العرب بينها، لكن المعنى واحد وهو الطريق المستقيم، وماذا عن لفظتي «نظر وضطر»؟ فعلى الرغم من أن حرفي الضاد والظاء قريبان في المخرج والصيغة، فإن العرب لا تسمّي ذلك إبدالاً، لأن المعنى يختلف بين اللفظتين، فاستُعمل ضطر بمعنى: حسينه وأشرق فيقول: «وَجْهٌ يَوْمَئِذٍ ضَاضِرَةٌ»، ونظر بمعنى: أبصر بالعين فيقول: «إِنَّ رَبَّنَا لَنَاظِرَةٌ».
إذن الأبدال -في لوحة ابن حزم- تتغير أشكالها ولكنها تتّحد نحو محلول آخر، والغاية من هذا التبديل الشكلي هي المحافظة على المعنى الأصلي.



