الاخبار العقارية

الحج عبادة وخوارزميات: كيف تدير السعودية حشود الملايين عبر الذكاء الاصطناعي

عربي و عالمي

الحج عبادة وخوارزميات: كيف تدير السعودية حشود الملايين عبر الذكاء الاصطناعي

بينما ترتكز الأضواء على الحجاج وهم يؤدون مشاعرهم في مشاهد روحية، يعمل خلف الكواليس آلاف الموظفين والمتطوعين والمهندسين والجنود والأطباء وغيرهم ممن يكرسون جهودهم لخدمة الحجيج، حيث يعد الحج مشروعا سنويا ضخما، تعمل فيه على التخطيط والتنفيذ أكثر من 40 جهة حكومية وخاصة.التجمع الأكبر يشهد الحج التجمع البشري الأكبر والأكثر كثافة في مكان واحد وزمان محددين، حيث يجتمع نحو مليوني حاج على وجه الأرض، حيث يجتمع فيهم أكثر من مليوني حاج ويتحركون بالتزام عبر مسارات محددة، وفي مواقيت شرعية لا تقبل التأجيل، ما يجعل من إدارتهم تحديا قائما.

من المراقبة البشرية إلى الإدارة الاستباقية

نجحت السعودية في الانتقال من إدارة الحشود عبر المراقبة البشرية والخبرات المتراكمة، إلى إدارة استباقية توقعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، والخرائط التفاعلية، وإنترنت الأشياء، وتحليلات البيانات الضخمة.وتدار حركة الحاج وحالته عبر شبكة رقمية ترسل بياناتها لحظيا إلى مراكز تحليل مركزية، ويتم التعامل معها في “سحابة قيادية” تحلل بقوانين الفيزياء والرياضيات، بدلا من التعامل معها بطريقة عشوائية.

التنبؤ بالازدحام قبل حدوثه

أسست التقنية في آلية إدارة الحشود على رصد الازدحام بعد وقوعه إلى التنبؤ به قبل حدوثه.وتتغذى نماذج الذكاء الاصطناعي ببيانات تاريخية ضخمة لمواسم الحج السابقة، تشمل معدلات التدفق وسلوكيات الحشود في نقاط الاختلاف مثل جسر الجمرات وداخل صحن المطاف. وأثناء البث الحي، تقارن الخوارزميات السلوك الحالي بالأنماط التاريخية، وتأخذ في الحسبان متغيرات مثل معدل تدفق البشر في الثانية، وسرعة المشي المتوسطة، ومعامل الانضغاطية للحشد، فإذا وجد النظام أن خط سير حشد معين يتجه للالتقاء بحشد آخر في زاوية حرجة قبل عدم سرعة وتجاوز القدرة الاستيعابية للمرحلة، يطلق الذكاء الاصطناعي إنذارا مبكرا لفرق العمليات، موضحا نسبة الخطر والوقت المتبقي للوصول إلى حالة الانسداد البشري. وبناء على هذا التنبؤ، يتم غلق بوابات إلكترونية أو تحويل مسارات التدفق مسبقا.

كاميرات وتحليلات لتحقيق ذلك

في إطار التقنية أيضا تمت تغطية المشاعر المقدسة بعشرات الآلاف من الكاميرات، المرتبطة بأنظمة تحليل الفيديو الذكية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، حيث باتت بمثابة عيون رقمية تحلل ما تراه بدقة متناهية، ويحصل عدد الأفراد الذين يعبرون خطا معينا على الشاشة بدقة تتجاوز 95%، وترصد أي فرد أو مجموعة تسير عكس الاتجاه العام للتدفق، كما تكشف عن حالات السقوط الأرضي، أو توقف شخص ما وسط ممر حوله، أو تركة حقيبة وأمتعة مهملة قد تعيق الحركة، كما أن بطاقات الحجاج الذكية (شعار) وأساور القد تحدد بدقة مواقع المجموعات ومنازلهم في مؤشراتها الحقيقية.في هذه البيانات تصب أمام متخذي القرار في مركز القيادة والتحكم لأمن الحج وتمكنهم من اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح.

قلب إدارة الحج

منذ انتهاء حج الموسم الماضي بدأت فرق العمل اجتماعاتها، حيث عملت على تصميم جداول التدفق، ومسار الحافلات، وتأمين الإعاشة، وتوزيع الخدمات الصحية، وربط البيانات المركزية بين الجهات المشاركة.ويعد مركز القيادة والتحكم لأمن الحج الواقع في مشعر منى، قلب إدارة الحج، فهو المكان الذي تدار منه حركة الحشود، وتراقب في المواقع الحقيقية لحظة بلحظة.ويزود المركز بشاشات عملاقة تعرض بثا مباشرا من آلاف الكاميرات المنتشرة، كما يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الكثافة السكانية والتشبيه بأي ازدحام غير طبيعي قد يتطلب تدخلا سريعا.ويدار المركز في أغلب مراحل عمله عبر الوسائل التقنية الحديثة من خلال غرفة المراقبة التلفزيونية بالمركز، إضافة إلى متابعة الأحداث على مساحة أعمال الحج كاملة.فمن غرفة القيادة إلى غرفة الرصد والتحليل، تتم تتبع البيانات اللحظية المتعلقة بالحجاج منذ مغادرتهم بلدانهم حتى عودتهم بعد أداء المناسك، مرورا بجميع مراحل السكن والنقل والإعاشة والتدفق.وتستخدم غرفة الرصد والتحليل خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتحليلات البيانات، وشبكة من الكاميرات والأنظمة المرتبطة بالمخيمات والمسالك والحافلات، وتقدم حلولا استباقية، وليس مجرد ردود فعل، فهي تتابع عمليات تدفق الحجاج، وتتحقق من الالتزام بالجداول الزمنية وخروج الحجاج من مساكنهم وأدائهم الشعائر وعودتهم في الوقت المحدد، فضلا عن السيابحة الحركية لتنظيم القدس.

ويعد نقل أكثر من مليوني حاج في وقت واحد من مكة إلى منى، ثم إلى عرفات، ثم المزدلفة، ثم العودة إلى مكة، عملية لوجستية هائلة، حيث سخرت منظومة لنقل الحجاج أكثر من 45 ألف موظف وظيفة لهذا الأمر، مع تجهيز أكثر من 7 آلاف رحلة طيران جدولية من 238 وجهة حول العالم عبر 62 واليا جوا باستخدام 12 صالة سفر في 6 مطارات، ووفرت أكثر من مليوني موعد عبر قطار الحرمين بزيادة 400 ألف موعد عن العام الماضي، إلى جانب تشغيل 2500 رحلة لقطار المشاعر.وعلى مستوى النقل البري، جزت أكثر من 25 ألف حافلة و9 آلاف سيارة أجرة، وخصص 18 مسارا للنقل ضمني الرحمن بين المدن.وأجريت أكثر من 270 ألف عملية فحص فني للحافلات لوسائل النقل المعتمدة للتأكد من استيفائها معايير السلامة.ويتم تبريد الطرقات وتشمين مسارات الحجاج في المناطق المجاورة في مسجد مرة لقطار المشاعر، مما أسهم في خفض درجات الحرارة السطحية بمتوسط 12 درجة مئوية.كما تم توسيع نطاق تطبيق تقنية “الطرق الماططة” بنسبة 33% بهدف تعزيز راحة الحجاج خلال تنقلاتهم في أجواء الصيف.

الرعاية الصحية

تدير وزارة الصحة السعودية أكثر من 25 مستشفى ميدانيا وثابتا لخدمة الحجاج، تضم أكثر من 5 آلاف سرير، وعيادات متنقلة، وفرم إسعاف عالية التجهيز، وفرم الاستجابة السريعة وفرم الصحة العامة لمراقبة أي أعراض وبائية.وتبدأ الاستجابة لأي حالة طبية في أقل من 8 دقائق داخل المشاعر، كما عملت الوزارة التقنيات الصحية المتقدمة مثل استخدام الطائرات المسيرة (درون) لنقل الأدوية الحوية داخل المشاعر، مما أسهم في تقليص زمن توصيلها إلى نحو 5 – 6 دقائق.

ترجمة وإرشاد

ويعمل نحو 30 ألف متطوع في تطوعة الحج في قطاعات تشمل الترجمة والإرشاد والخدمات الطبية والإعاشة والدعم النفسي.

تطبيقات ذكية

وتواصل التطبيقات الذكية خدمتها للحجيج، حيث يوفر تطبيق “نسك” الموحد للحجاج خدمات شاملة، مثل الجداول الزمنية والخرائط التفاعلية والتعليمات الشرعية وأرقام الطوارئ.كما مكنت بطاقة الحاج الذكية الجهات الأمنية من تتبع الحاج وتقديم الدعم بسهولة، إضافة إلى تسهيل الدخول والخروج من المشاعر، فضلا عن توجيههم الصحيح.

الجانب الاقتصادي

في ظل الأحداث العالمية، والضغط على قطاع الطاقة، وتأثيراتها على الاقتصاد، بدأ الاهتمام بتكلفة الحج هذا العام أكبر من المواسم السابقة.وحرصت السعودية على إبقاء التكلفة في استقرار نسبي من دون زيادات محفوظة مقارنة بالموسم الماضي، كما طرحت وزارة الحج والعمرة باقات متنوعة تناسب مختلف الشرائح من المواطنين والمقيمين داخل المملكة.وراوحت الأسعار ضمن المعدلات الطبيعية، مع اختلافها حسب مستوى الخدمات ومواقع الإقامة داخل المشاعر المقدسة.وأتاحت 4 بالات رئيسة لحجاج الداخل، راوحت بين 8 آلاف ريال و13 ألف ريال.ويخضع قطاع الحج في المملكة لرقابة تنظيمية دقيقة لإجراءات واضحة من الجهات المختصة، ما منع التلاعب بالأسعار التي ثبتت نفس أسعار العام الماضي دون ارتفاع يذكر.

عربيا، حرص عدد من الدول العربية على استقرار التكلفة، وعمدت الجزائر خلال العامين الماضيين إلى دعم تكلفة الحج بهدف التخفيف من الأعباء المالية على الحجاج، حيث بلغت تكلفة الحج نحو 840 ألف دينار (6326 دولارا) شاملة تذاكر السفر والإقامة في فندقي مكة والمدينة والنقل إلى المشاعر المقدسة والخيم لجبتي القطور والعشاء، مع رفع منحة الحج السياحية إلى 1000 دينار لتعزيز القدرة الشرائية للحجاج.من جانبها، سيرت المغرب 78 رحلة جوية للحج، منها 69 رحلة إلى المدينة المنورة لنقل 22 ألفا و200 حاج، وبلغت تكلفة الحاج المغربي نحو 6878 دولارا.في سوريا، تولت وزارة الأوقاف السورية تنظيم وإدارة شؤون الحجاج مباشرة، وبلغ عددهم 22 ألفا تقريبا، وبلغت تكلفة الحاج 4750 دولارا للحجاج من داخل سوريا، و4900 دولار للحجاج من خارج البلاد.وقدمت السعودية مجموعة من التسهيلات للحجاج السوريين، من بينها تمديد الفترات الخاصة بالمسار الإلكتروني لتسجيل الحجاج وحجز المخيمات، إضافة إلى تطبيق مبادرة “حاج بلا حقيبة” لأول مرة، وتقوم على تسهيل الحاج أن تعتمد على مطار دمشق ويصل مباشرة إلى الفندق في المملكة من دون الحاجة إلى الانتظارها في المطار.أما في ليبيا، فارتفعت تكلفة الحج هذا العام متأثرة بأكثر من عامل منها الحرب، حيث راوحت تكلفة الحج بين 4500 و5500 دولار.وفي مصر تباينت تكلفة الحج، وتفاوتت حسب مستوى الخدمات ونوع السكن، وراوحت بين 23 ألف ريال و38 ألف ريال، وصولت حتى 100 ألف ريال لبعض الباقات الخاصة.وزادت تكلفة الحاج في قطر 10% عن العام الماضي.وفي الأردن، بلغت تكلفة الحاج ضمن المعدلات الطبيعية دون ارتفاعات تذكر خلال الموسم الحالي، وراوحت عند حدود 3140 دولارا أردنيا (4428 دولارا)، تشمل السكن والطعام والنقل والفندق.وفي عمان، حددت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانية تكلفة حج هذا الموسم بنحو 2134 ريالا عمانيا (5545 دولارا) بالنسبة لحج الجواح، في حين بلغ متوسط تكلفة الحج برا 1313 ريالا عمانيا (3412 دولارا).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى