قطاع السيارات: الإعتمادية والثقة قوّة الجذب الجديدة
هورهي بلاتا، الرئيس والمدير التنفيذي لعمليات ’جنرال موتورز‘ في أفريقيا والشرق الأوسط
على مدار القرن الماضي، سيطر سؤال واحد بشكل عام على المناقاشات المرتبطة بالسيارات، وهو: ما حجم الطاقة الكامنة تحت غطاء المحرّك؟
أما اليوم، فقد بدأ هذا السؤال بالتغيّر. ففي منطقة يحصل فيها العملاء على المزيد من العلامات التجارية، والمزيد من الطرازات، والمزيد من خيارات الدفع أكثر من أي وقت مضى، أصبح الأداء يتشارك الأهمّية ذاتها مع عنصر أبرز، وهو: الإعتمادية والمصدقية.
تُظهِر الأبحاث الدولية بشكل مستمر أن أكثر من 80 بالمئة من العملاء يحتاجون للثقة كلّياً بالعلامة التجارية قبل أن يقوموا بالشراء منها1. وهذه ليست مجرّد مقاييس بسيطة، بل هي حاجة ضرورية مسبَقة للنمو في ظل توسّع الخيارات المتاحة، وتزايد حدّة المنافَسة، وتَقدُّم التقنيات بحيث تصبح يوماً بعد يوم أكثر تطوّراً وحداثة.
ويتميّز عملاء اليوم بامتلاكهم لمعلومات أفضل وارتفاع في مستوى توقّعاتهم، مع تحرّك سريع للشركات المتنافِسة لتلبية المتطلّبات السائدة. والجدير ذكره ضمن هذا السياق أن الأسماء الجديدة في السوق تحمل معها تطلّعات قوية، ولديها دورات تطويرية متسارعة، مع تركيز دقيق على المعلومات المستمَدّة من العملاء. وهذا في الواقع يُعدّ أمراً جيداً للقطاع بمجمله، إذ إنه يساهم برفع المعايير بالنسبة للجميع.
في الوقت ذاته، تترافق كثرة الخيارات مع حقيقة أن الثقة تبدأ في هكذا حال بكسب الأولوية. ومع تَقدُّم التقنيات وتَحوُّل تجربة المُلكية لتكون أكثر اتصالاً وتطوّراً، يتبيّن أن العملاء لا يقومون فقط باختيار مركبة معيَّنة – بل يختارون مستوى الدعم الذي يحصلون عليه، ويشدّدون على المصداقية، ويسعون وراء الالتزام طويل الأمد الذي يترافق مع هذه المركبة.
عملياً، هذا يعني أن السلامة والاعتمادية وجودة خدمات الدعم ما بعد البيع تبقى هي العوامل الأساسية التي تُحدِث فارقاً رئيسياً، وتحدّد المعنى الفعلي للثقة عندما تكون الخيارات العديدة جاذبة من النظرة الأولى.
مع تنامي الخيارات، الثقة تصوغ القرار
شهد قطاع السيارات في مجلس التعاون الخليجي وباقي أنحاء المنطقة تحوّلاً بارزاً. فباستطاعة العملاء اليوم اختيار ما يناسبهم من مُصنِّع عريق وكذلك من أسماء جديدة طامحة، حيث أن الكثير من هذه العلامات التجارية الجديدة تسير بخطى متسارعة في السوق وتعتمد أسلوب العمليات المكثَّفة.
وبالنسبة للعملاء، فإن هذا التحوّل يشكّل تطوّراً إيجابياً. فالمنافَسة المتزايدة تشجّع على الابتكار بطريقة أسرع، وتُقدِّم قيمة أعلى، وتوفر استجابة أفضل لاحتياجات السوق. لكن في الوقت ذاته هذا يعني أيضاً المزيد من المخاطر الكبيرة كجزء من قرارات الشراء المتخَذة.
- عند اتخاذ قرار شراء مركبة اليوم، عليك الأخذ بعين الاعتبار ثلاثة عوامل أساسية لدى أي مُصنِّع كان للسيارات: نهج السلامة المعتمَد – ما مدى جدّية واهتمام المُصنِّع بعناصر المصادَقة، الجودة والمسؤولية؟
- النظام البيئي الخدماتي – هل ستكون القطع متاحة بعد سنوات طويلة من المُلكية، وهل تترافق مع قيمة إعادة بيع عالية؟ هل يتم تدريب التقنيين بشكل مستمر؟
- الشريك التقني – كيف يتم الحفاظ على البرمجيات، البيانات وخدمات الاتصال على مدى عمر المركبة؟
بلا أي شك، فإن أي علامة تجارية قد تترك انطباعاً أوّلياً قوياً، لكن ما يهم فعلاً هو كيفية تصرّفها طيلة رحلة المُلكية التي تجمعك بها.
الاعتمادية تتخطّى حدود المنتَج
تتمثّل الاعتمادية بالتحلّي بالمصداقية، وتوافر البُنية التحتية الضرورية، والتمتّع بالالتزام طويل الأمد بهدف دعم العملاء والاستجابة لمتطلّباتهم واحتياجاتهم بطريقة مسؤولة. ضمن هذا الإطار، يعتمد المُصنِّعون البارزون على الحجم الكبير للشركة وسمعتها العالية وشبكتها الدولية الواسعة لتمكين الناس من التنقّل المستمر وتقليل نسب تعطّل المركبات للحد الأدنى. وكل هذا يتوقّف على وجود شبكة قوية من الوكلاء، وتوزيع المركبات والقطع بطريقة اعتمادية عالية، وتوافر التصاميم والمواصَفات الجاهزة للأسواق المحدَّدة، إضافة للاستثمار الدائم بالبرمجيات والاتصالات للمساعَدة بتحسين تجربة المُلكية مع مرور الزمن.
التجربة مصدر المناعة العالية
عند هذه المرحلة لا يعود التراث ينحصر بالحنين للماضي فقط، بل يبدأ أيضاً باتخاذ اتجاه هام يتمثّل بكونه من العناصر الأساسية لإدارة المخاطر وتحفيز المناعة المؤسَّساتية.
فالتواجد طويل الأمد في منطقة معيَّنة دليل على تخطّي دورات اقتصادية متعدّدة، والتكيّف بفعالية مع المتغيّرات التنظيمية، ومواجَهة الأزمات المختلفة بكفاءة، وإعادة الابتكار مرّة أخرى. فالشركات العاملة منذ عقود طويلة تتميّز ببنائها لقدرات داخلية عالية وجمعها لمعارف مؤسَّساتية بارزة حول كيفية الاستجابة الفعّالة تجاه الضغوطات، والتكيُّف في ظل الحفاظ على المقاييس المعتمَدة، ومتابَعة تحمّل المسؤولية مع تبدُّل وتطوُّر التوقّعات.
وبالنسبة للشركات المُصنِّعة المرموقة التي تنشط في الشرق الأوسط منذ عقود طويلة، بما فيها ’جنرال موتورز‘، أصبحت هذه التجربة تتمحور حول المسؤولية بشكل متزايد، مثل الحفاظ على الأنظمة البيئية الخدماتية بأفضل حالة، ومتابَعة الاستثمار في مجالَي السلامة والتقنية، والتحلّي بالاعتمادية والمصداقية ضمن الدورات المختلفة التي قد تشهد بعض الاضطرابات.
في الوقت ذاته، هناك العديد من اللاعبين الجدد الذين يساهمون بشكل بارز في الابتكار وتقديم مفاهيم جديدة ضمن السوق. وتساهم سرعتهم بهذا المجال ومزاياهم التنافسية الظاهرة بإعادة صياغة التوقّعات على الصعيد الدولي. ويستفيد قطاع السيارات من النهجَين الديناميكيَين على السواء: مرونة وسرعة الداخلين الجدد ومكانة واستمرارية اللاعبين الأساسيين البارزين.
وبالنسبة للأفراد أو أصحاب الشركات، فإن السؤال الحقيقي يتمحور حول ما ستقدّمه المركبة والشركة التي تقف خلفها مع مرور الزمن وتطوّر الأنظمة، وماذا عندما تصبح الخدمات مطلوبة وتبرز ضرورة الالتزام بالمعايير.
من الطاقة الحصانية إلى الاعتمادية
في الشرق الأوسط، ستبقى دوماً الطاقة الحصانية ذات أهمّية بالغة، كما إن الابتكار سيحظى أيضاً بأهمّية دائمة. وكذلك الأمر فيما يتعلّق بسرعة الاستجابة لمتطلّبات ومتغيّرات الأسواق التي ستحظى هي أيضاً بالأهمّية العالية. ومع كل قرار أساسي يجري اتخاذه لشراء مركبة ما، فإن التكلفة الإجمالية للمُلكية على مدى السنين تكون مهمّة أيضاً، وهذا بالذات ما يعرّف مبدأ الاعتمادية. ونشير إلى أن هنالك مجموعة من العوامل الأساسية التي تبني الثقة الدائمة غير المتزعزعة، وهي تبدأ مع السلامة والصيانة، مروراً بتوافر القطع والدعم الخدماتي، وصولاً لتغطية الضمان وقيمة إعادة البيع – والتي يتم اثبات فعاليتها وكفاءتها كلّها مع مرور الوقت وفي مختلف الظروف السائدة. وفي عالم تتزايد فيه الخيارات، فإن الثقة هي بالتالي ما يحدّد المعنى الحقيقي للأداء.
ولهذا السبب، وبمفاهيم عديدة، يُمكِن اعتبار الاعتمادية قوّة الدفع الجديدة الأبرز.



